فخر الدين الرازي

106

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

لما نهى الكافر عما هو عليه ، أمر المؤمن بما هو عليه وخاطب النبي عليه السلام ليعلم المؤمن فضيلة ما هو مكلف به فإنه أمر به أشرف الأنبياء ، وللمؤمنين في التكليف مقام الأنبياء كما قال عليه الصلاة والسلام : « إن اللّه أمر عباده المؤمنين بما أمر به عباده المرسلين » وقد ذكرنا معناه ، وقوله : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يحتمل وجهين الأول : أن يكون قوله : مِنَ اللَّهِ متعلقا بقوله : يَأْتِيَ والثاني : أن يكون المراد لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ أي اللّه لا يرد وغيره عاجز عن رده فلا بد من وقوعه يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ أي يتفرقون . ثم أشار إلى التفرق بقوله : مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قال : مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً ولم يقل ومن آمن وذلك لأن العمل الصالح به يكمل الإيمان فذكره تحريضا للمكلف عليه ، وأما الكفر إذا جاء فلا زنة للعمل معه ، ووجه آخر : وهو أن الكفر قسمان : أحدهما : فعل وهو الإشراك والقول به ، والثاني : ترك وهو عدم النظر والإيمان فالعاقل البالغ إذا كان في مدينة الرسول ولم يأت بالإيمان فهو كافر سواء قال بالشرك أو لم يقل ، لكن الإيمان لا بد معه من العمل الصالح ، فإن الاعتقاد الحق عمل القلب ، وقول لا إله إلا اللّه عمل اللسان وشيء منه لا بد منه . المسألة الثانية : قال : فَعَلَيْهِ فوحد الكناية وقال : فَلِأَنْفُسِهِمْ جمعها إشارة إلى أن الرحمة أعم من الغضب فتشمله وأهله وذريته ، أما الغضب فمسبوق بالرحمة ، لازم لمن أساء . المسألة الثالثة : قال : فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ ولم يبين وقال في المؤمن فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ تحقيقا لكمال الرحمة فإنه عند الخير بين وفصل بشارة ، وعند غيره أشار إليه إشارة . ثم قال تعالى : [ سورة الروم ( 30 ) : آية 45 ] لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ( 45 ) ذكر زيادة تفصيل لما يمهده المؤمن لفعله الخير وعمله الصالح ، وهو الجزاء الذي يجازيه به اللّه / والملك إذا كان كبيرا كريما ، ووعد عبدا من عباده بأني أجازيك يصل إليه منه أكثر مما يتوقعه ثم أكده بقوله : مِنْ فَضْلِهِ يعني أنا المجازي فكيف يكون الجزاء ، ثم إني لا أجازيك من العدل وإنما أجازيك من الفضل فيزداد الرجاء ، ثم قال تعالى : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ أوعدهم بوعيد ولم يفصله لما بينا وإن كان عند المحقق هذا الإجمال فيه كالتفصيل ، فإن عدم المحبة من اللّه غاية العذاب ، وأفهم ذلك ممن يكون له معشوق فإنه إذا أخبر العاشق بأنه وعدك بالدراهم والدنانير كيف تكون مسرته ، وإذا قيل له إنه قال إني أحب فلانا كيف يكون سروره . وفيه لطيفة وهي أن اللّه عندما أسند الكفر والإيمان إلى العبد قدم الكافر فقال : مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ [ الروم : 44 ] وعندما أسند الجزاء إلى نفسه قدم المؤمن فقال : لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا ثم قال تعالى : إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ لأن قوله مَنْ كَفَرَ في الحقيقة لمنع الكافر عن الكفر بالوعيد ونهيه عن فعله بالتهديد وقوله : مَنْ عَمِلَ صالِحاً لتحريض المؤمن فالنهي كالإيعاد والتحريض للتقرير والإيعاد مقدم عند الحكيم الرحيم ، وأما عندما ذكر الجزاء بدأ بالإحسان إظهارا للكرم والرحمة ، فإن قال قائل هذا إنما يصح أن لو كان الذكر في كل موضع كذلك وليس كذلك فإن اللّه كثير من المواضع قدم إيمان المؤمن على كفر الكافر وقدم